محمد أبو زهرة
240
المعجزة الكبرى القرآن
وترى من هذا كيف كان الإيجاز المعجز ، لقد أشار سبحانه وتعالى إلى قصة عاد وثمود وفرعون ، وقد وصف طغيانهم كما وصف قوتهم في صنائعهم ، وصلابة أرضهم ، وكل ذلك في إيجاز . والسور القصيرة كلها في موضوع واحد ، كما ترى قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 ) [ الكوثر : كلها ] . وكما في سورة الفيل في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) [ الفيل : 1 - 4 ] وكسورة قريش : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) [ قريش : كلها ] . وإننا نرى أن الجزء الأخير في ترتيب القرآن الكريم الذي اختص باشتماله على قصار السور ، والذي يسهل حفظه على الناشئين الذين لا يريدون جمع القرآن في صدورهم ، قد اشتمل على بيان العقيدة الإسلامية ، وعلى معاندة قريش ، وعلى جهود النبي صلى اللّه عليه وسلم وما لاقاه من عنت في قومه ، وعلى المبادئ الخلقية الإسلامية ، وعلى أن كل مسلم يتحمل البتعة وعلى أصول المبادئ الاجتماعية ، وفيه إجمال كامل لقصص القرآن الكريم . هذا شأن قصار السور وهي جزء من ثلاثين من القرآن الكريم . أما الطوال والمتوسط والأقرب إلى الطول والأقرب إلى القصر فهو يشمل نحو تسعة وعشرين جزءا من ثلاثين جزءا من القرآن . وإن السور المدينة أكثرها ليس من القصار ، وهو يشتمل على الأحكام التفصيلية للتكليفات الشرعية ، فسورة البقرة والنساء والمائدة فيها كثير من الأحكام الفقهية سواء أكانت في الأسرة أم في المعاملات المالية ، أم في الزواجر الاجتماعية ، أم في العلامات الدولية ، وأحكام الجهاد ، وفيها كل ما يتصل بالسلوك الإنسانى الذي فرضه القرآن الكريم وبعض التكليفات المتعلقة بالأسرة أو المعاملات المالية جاء في السور التي بين القصر والطول كسورة الممتحنة وكسورة الطلاق . وأن السور الطويلة أو القريبة منها مع أنها ليست مرتبة على حسب النزول بالوحي ، بل هي كما ذكرنا مرتبة بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوحي عن ربه ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر بوضع الآية عند نزول الوحي في موضعها من السورة التي أمر بوضعها فيها .